تعد الأسلحة النووية دائماً، من وجهة نظر المذهب العسكرى الروسي، وسيلة موثوقاً بها لضمان الردع والاستقرار العالمي، كان الحفاظ على مكانتها كقوى نووية في القرن الحادى والعشرين، إلى جانب ضعفها المتزايد في المجالات التقليدية، هو الذى دفع روسيا الاتحادية، بوصفها خليفة للاتحاد السوفيتي، إلى تطبيق إجراءات تسمح لها بالحفاظ على مستوى مناسب في مجالات البحوث والتطوير، وذلك لإنتاج سلسلة من أنواع محددة من الأسلحة النووية الاستراتيجية، منذ بداية التسعينات من القرن الماضي. وقد أجبرت محدودية الموازنات الخاصة بوزارة الدفاع والأزمة العميقة في المجتمع العسكري - الصناعي، والصعوبات السياسية الناجمة عن هذا الموضع، الحكومة الروسية على تبني استراتيجية واقعية لخفض وتكيف تدريجي لترسانتها الاستراتيجية مع القدرة الاقتصادية والتقنية للبلاد.
والقرار الذى تم اتخاذه -أخيرا- للحد من الترسانة النووية الاستراتيجية الروسية لكي يتراوح الحد الأقصى بين 1700 إلى 2200 رأس نووية حتى عام 2012 من خلال اتفاق مع الولايات المتحدة، يرجع إلى الضرورة التى يفرضها الواقع، ويسمح بها السيناريو الإستراتيجي، حيث اختفى إلى الأبد منطق الحرب الباردة.
وتكمن المشكلة الأخطر في هذه العملية في عدم قدرة روسيا بمفردها على تنفيذ التخلص من ترسانتها النووية، منتهية الصلاحية، بضمانات أمنية كافية، وتعد المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والمنظمة الدولية للطاقة الذرية، في هذا الصدد، غير كافية. حيث إن الزيادة الملحوظة في الدعم الذى تقدمه الحكومات الغربية لهذه العملية من شأنه أن يضع تلك الحكومات أمام منظور الاضطلاع بالمسؤولية، في حين تسعى روسيا لتخصيص جزء كبير من مواردها النادرة لتمويل جيل جديد من الصواريخ عابرة القارات، من طراز "توبول" MSS-27.
وعلى أية حال، فقد صاحب ثالث اتفاق لخفض الأسلحة النووية الاستراتيجية عملية اضمحلال روسيا كقوة عسكرية كبرى، ويدرج في الوقت نفسه سياق التقارب السياسي والاقتصادي نحو الغرب، وهو الأمر الذى يبرر إيماءة السخاء من الغرب لكى تضفي مصداقية على علاقة الصداقة البناءة مع موسكو، بهدف تحقيق الاستقرار العالمى. ومع ذلك، فإن من المناسب التذكير بأن المسؤولية الأساسية للمشكلات الناتجة عن سباق التسلح تقع تحديدا على عاتق القوى المشاركة في هذا السباق.
مضمون الاتفاق
إن معاهدة تخفيض الأسلحة، الاستراتيجية الهجومية الموقعة في موسكو في 24 من مايو 2002 من جانب كل من الرئيسين جورج دبليو بوش وفلاديمير بوتين تسجل مرحلة في عملية الحد من التسلح النووى، الذى بدأ بمعاهدة القوات النووية المتوسطة المدى في عام 1987. وطبقا للاتفاق الجديد، فإن الترسانة النووية الاستراتيجية لكلتا القوتين سيتم تحديدها ليتردد الحد الأقصى منها بين 1700 إلى 2200 رأسا نووية لدى كل طرف منهما حتى عام 2012، حيث تحدد اتفاقية "ستارت -1" حداً أقصى 3500 رأس نووية. ويمكن للأطراف الموقعة على الاتفاق الانسحاب من المعاهدة، شريطة تقديم إخطار مسبق قبيل ثلاثة أشهر من الانسحاب. ولم تشر الاتفاقية إلى تركيب رؤوس متعددة في الصواريخ، وكذلك فإن الرؤوس النووية التى لم يتم تحميلها على أسلحة عاملة لن تدخل في هذا الإطار، فهو عبارة عن اتفاق موجز، يسمح نظريا بإعادة بناء سريع لترسانات نووية كبيرة، بالاستعانة بالرؤوس النووية المخزونة، التى لم يتم نشرها، حيث لا يوجد هناك التزام بتدميرها. ويعد غياب فرض القيود على الصواريخ العابرة للقارات امتيازاً لروسيا، حيث يسمح لها بالحفاظ على صواريخ من هذا النوع حتى عام 2012، وهي أنواع SS-18 و SS-19 وSS-24 و SS-N-18 و SS - N- 20 وSS-N-23.
دلالات الاتفاق
لهذا الاتفاق دلالات عديدة، لعل أهمها:
@ أن الولايات المتحدة لم تعتبر روسيا عدوا لها. وعلى الرغم من استمرار مجالات تظهر فيها مصالح مختلفة ومتناقضة لكلا البلدين، على الصعيد الاستراتيجي، فإن كلتا القوتين تتقاسم كثيرا من الهموم والمشاغل، ويمكن أن تتم بينهما مساعدة متبادلة، كما ظهر في موقف روسيا بعد الحادى عشر من سبتمبر، وفي النزاع في أفغانستان.
@ يتبلور هذا الواقع في إطار جديد من العلاقات، حيث ظهر مجلس "الناتو - روسيا"، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وخطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، والاندماج التدريجي لروسيا في الاقتصاد العالمى.
@ لايزال هناك انعدام للثقة تجاه الولايات المتحدة وأوروبا داخل الأوساط السياسية والعسكرية الروسية. فانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، ومشروع حائط الدفاع الصاروخى، وعملية توسع حلف الأطلنطى، كل هذا قد أثار شكوكا لدى روسيا.
@ لم تعد لدى روسيا قدرة اقتصادية تؤهلها للحفاظ على ترسانة نووية بالحجم الذى حددته معاهدة "ستارت -2"، فمع نهاية الحرب الباردة انتهت المشروعات المرتبطة بتقليص الأسلحة النووية، كنتيجة لإجراءات أحادية الجانب، أو معاهدة دولية (ستارت -1)، إلى "تكتيكات"، والبحث عن عائد من خلال إعادة تدوير مكوناتها.
وقد أعلنت قيادة القوات النووية الاستراتيجية السوفيتية رقما لعدد الرؤوس النووية بلغ 10996 رأسا نووية استراتيجية، وذلك لتطبيق معاهدة "ستارت -1". وتضم الأسلحة النووية متوسطة المدى 522 رأسا نووية. ولم يعرف بعد الرقم الدقيق للترسانة النووية التكتيكية، إلا ان التقديرات التى تمت فى عام 1992 تشير إلى رقم إجمالى يصل إلى 15ألف رأس نووية تكتيكية. وتبلغ الترسانة النووية الكاملة (الاستراتيجية والمتوسطة المدى والتكتيكية) ما بين 21 ألفاً و26 ألف رأس نووية، وذلك في فترة عام 1990 - 1991.
وفي عام 1987 كانت الأسلحة الاستراتيجية موضوعا للتفاوض مع الولايات المتحدة، الأمر الذى أفسح المجال أمام معاهدتي (ستارت 1و 2). وقد أسفر تطبيق الاتفاقية الأولى عن تحديد الترسانة إلى سقف حده الأقصى 6500 رأس نووية. وكانت "ستارت - 2"، التى لم يتم تطبيقها، تنص على وضع حد أقصى 3500رأس نووية. وبعد ذلك بدأت المفاوضات ل"ستارت - 3"، التي تهدف إلى وضع حده الأقصى يتراوح بين 200 إلى 2500رأس نووية استراتيجية لكل دولة.
ولمحاولة فهم التوصل لهذه الالتزامات يجب الأخذ في الحسبان ضرورة صيانة وإعادة تدوير الأسلحة النووية، ،كذلك القدرة على أن يُستبدل بها نظم تسليحية أحدث. وعلى الرغم من أن العمر الافتراضي لهذه الأسلحة في الخدمة يصل إلى 25 عاما، فإن الأسلحة النووية تتطلب مراجعة وإعادة تدوير كل سبعة أو عشرة أعوام وفقا لتصميمها. ومن جانب آخر، فإن أنظمة التوجيه والتحكم لها مدة صلاحية محددة عندما تكون في وضع استعداد دائم، ويتم تصنيع الجانب الأكبر منها في أوكرانيا. وستكون البدائل المتاحة هى استمرار الاعتماد على إمدادات هذه الدولة، وإلا فسوف تتعطل أنظمة التوجيه والتحكم.
وطبقا لهذه المعايير، فإن 60% من الصواريخ العابرة للقارات انتهى عمرها الافتراضي. فصواريخ SS-18 و SS-24 (الجانب الأكبر منها مصنّع في أوكرانيا) يجب إخراجها من العمل في الخدمة حتى عام 2007. ويمكن لصواريخ SS-19 أن تظل في الخدمة حتى عائم 2010. أما الصواريخ العابرة للقارات من طراز SS - 25 التى يبلغ عددها 360 صاروخا، الموجودة في الخدمة (والمصنعة في مدينة موسكو) فإنه يمكن كذلك أن تظل في الخدمة لوقت معين بعد هذا التاريخ (حيث إنها دخلت الخدمة في نهاية الثمانينيات).
والنموذج الجديد للصواريخ العابرة للقارات هو "توبول" MSS-27. ففي عام 1998 كان وزير الدفاع بالاتحاد الروسى يعتزم تصنيع خمسين وحدة من هذه الصواريخ العابرة للقارات في العام الواحد، إلا أن القدرة الفعلية للتمويل لاتتجاوز في الوقت الراهن تمويل تصنيع عشر وحدات كل عام.
وفيما يتعلق بالصواريخ المزودة بها الغواصات، فإن الجانب الأكبر منها لا يزيد عمره الافتراضي على 25سنة، وبعض هذه الأنواع يمكن أن تمتد صلاحيتها بعد عام 2010، وهذه الأنواع هى SSN-21 وSSNX-24. وفي عام 2001 كان يوجد عشرون غواصة استراتيجية فقط في الخدمة، وست عشرة قاذفة استراتيجية، سيطول عمرها الافتراضي ما أجريت لها الصيانة الملائمة.
ولذلك، فبعد سحب الأسلحة التي انتهت صلاحيتها، سيبقى في عام 2012 مايقرب من 360 صاروخا من طراز SS-25، تقترب من موعد انتهاء صلاحيتها، ومن المحتم ألا يكون هناك أكثر من 150صاروخا من طراز SS-27. ويشمل ذلك أيضا القنابل والصواريخ ذات المدى المتوسط، المزودة بها الطائرات المقاتلة الاستراتيجية والصواريخ الباليستية، التى لا تزال في الخدمة. وعلى هذا الأساس، فلن يكون لدى روسيا حتى هذا التاريخ أكثر من 1100 رأس نووية استراتيجية.
وبعد سحب الصواريخ من طراز SS-25 من الخدمة في الفترة بين 2015 و 2020، ستجد الترسانة الروسية نفسها قد تقلصت بصورة ملحوظة، نظرا لأن القدرة على الإنتاج والصيانة الفنية سوف تتناقص. ويمكن فقط تعديل هذا السيناريو عن طريق تغيير حاسم، وغير متوقع، في الوضع الاقتصادي للبلاد.
وتجدر الإشارة إلى أنه نظرا للتطور الحديث للمذهب النووى للولايات المتحدة، فإن الاتجاه الجديد حيال تهديد أسلحة الدمار الشامل للبلاد التى تمتلكها يرتكز على تصور أسلحة نووية ذات قدرة أقل، ولكنها تتمتع بدقة أكبر وقدرة على الاختراق. ومن المحتمل أن تقوم روسيا باتباع هذا الاتجاه في ضوء إمكانياتها.
الصناعة النووية الروسية
إن القطاع النووى الروسى، الذى يدبر كمية كبيرة من المواد القابلة للانشطار، ذات الطابع العسكرى، يتحمل مسئولية مصير 500طن من اليوارنيوم المخصب، و 140 طنا من البلوتونيوم الناتج عن عملية تفكيك الأسلحة النووية. ويضم هذا القطاع إجمالا 151 مؤسسة ومراكز للإنتاج المتكامل، الذى يدخل ضمن البنية الأساسية للمشروعات، التى تقوم بها وزارة الطاقة الذرية.
وقد بدأت صناعة البلوتونيوم في مدينة "تومسك" عام 1995 وفي مدينة "كراسنويارسك" في عام 1958. وحتى عام 1968 كان يتم إنتاج البلوتونيوم للأغراض العسكرية في 13 مفاعلا نوويا، وكانت تنتج تقريبا ما بين 5 إلى 6 أطنان من البلوتونيوم في العام الواحد، وفي نهاية الثمانينات، فإن الكميات التي تم تخزينها من البلوتونيوم واليورانيوم المخصب وصلت لمستويات تزيد على الاحتياجات العسكرية للاتحاد السوفيتي، ولذلك بدأ إنتاج هذه المواد في الانخفاض حتى توقف الإنتاج عام 1988. وأغلقت 10 مفاعلات من 13 مفاعلا، فى الفترة ما بين عام 1987 و 1992. وبعد ذلك تم الإفصاح عن نية إغلاق باقى المفاعلات حتى عام 2000.
وفي عام 1994، أعلن الاتحاد الروسى عن تأجيل -أحادى الجانب- لإنتاج المواد القابلة للانشطار. وفي الوقت الحالى، فإن مهمة المفاعلات الثلاثة العاملة تنحصر في إنتاج الكهرباء للسكان المحليين. وكانت هذه المفاعلات تتيح في عام 2001 مايقرب من طن ونصف الطن من البلوتونيوم سنويا.
ونظرا لأن فائض البلوتونيوم يخلو حاليا من قمته العسكرية، فإن الحكومة تقوم بتعويض مراكز الإنتاج عن تكلفة تشغيل المفاعلات ومنشآت إعادة المعالجة. ويعادل هذا التعويض تقريبا 20% أقل من التكلفة الفعلية، ولا يتم دفع هذه التعويضات بشكل منتظم، حيث تم تسديد 70% من الأموال المخصصة لهذا الغرض في عامى 1994 و1995.
وفي بداية التسعينيات، فإن هناك تقديرا يفيد بأن الأيدى العاملة في المراكز الرئيسية الثلاثة للمجمع النووى- العسكرى تبلغ 49 ألف عامل. وبنهاية هذا العقد، يصل الرقم الإجمالى للعاملين إلى 37 ألف عامل. وتكشف هذه العملية عن تنامى البطالة في هذا القطاع، وأنها آخذة في التفاقم، نتيجة للصعوبات الناتجة عن إعادة التدريب المهنى في قطاعات أخرى للاقتصاد الروسى، والمشكلات الموجودة للحصول على مسكن في مدن أخرى، بسبب الأزمة الاقتصادية التى تعانى منها البلاد منذ أواخر الثمانينيات. وتحاول الحكومة معالجة هذا العجز عن طريق المرسوم الرئاسي الذى صدر عام 1995 بشأن تمويل المنشآت النووية، ذات الإشعاعات الخطرة، دون أن نتوصل لنتائج مرضية في هذا الشأن.
ولم يسهم برنامج الإصلاح الهيكلى للصناعة النووية الروسية، الذى تقدمت به وزارة الطاقة الذرية في عام 1993، فى إيجاد حل للأزمة في هذا القطاع، حيث تتمثل المشكلة الأساسية في: زيادة القدرة الإنتاجية لهذه الصناعة عن الاحتياجات الفعلية؛ والصعوبات في إيجاد سوق خارجية لتسويق منتجاتها، وبالإضافة إلى ذلك، فإن وزارة الطاقة الذرية يجب عليها مواجهة تحدى التخزين، والقضاء على المواد القابلة للانشطار الزائدة عن الاحتياجات، من خلال بدائل ما زالت قيد الدراسة (وهو تحويلها إلى وقود، أو لخليط من أوكسيد اليورانيوم والبلوتونيوم، أو تحويل البلوتونيوم للتخزين الدائم).
ويعد الخيار الأول هو المفضل، حيث إنه يعنى التخلص نهائيا من البلوتونيوم. وقد صرح مسئول في وزارة الطاقة الذرية الروسية بأن وزارته تنطلق من مبدأ أن هذا البلوتونيوم يعد "ميراثا وطنيا" له قيمته المرتفعة في مجال الطاقة، لأن جراماً واحدا من البلوتونيوم يساوى ثلاثة أطنان من البترول. ومع ذلك، فإن السعر المنخفض لليورانيوم، وتكلفة الاستثمار في مفاعلات جديدة سريعة، باستخدام النيوترونات لتنفيذ هذا البرنامج، يجعله مشروع غير منطقي من جهة النظر الاقتصادية، وذلك على الرغم من أن روسيا على استعداد تام لتنفيذه، كدليل على حسن نوايا روسيا بمشاركتها في الحد من التسلح النووى.
ومن جانب آخر، فالوضع الحالى لروسيا، سواء فيما يتعلق بالبنية التكنولوجية، الأساسية، أو الأمن الداخلى، يمنع نقل ومعالجة المواد القابلة للانشطار على نطاق واسع، نظرا لمخاطر الانحراف وتغيير مسار استخدامه في أغراض أخرى أو سرقته. والصعوبات الاقتصادية التى تمر بها البلاد تجعل الموقف يزداد صعوبة، حيث يجعل من المستحيل عمليا تحمل تكلفة استئصال أو تخزين مأمون للفائض من هذه المواد.
مشكلة المدن النووية
ويتركز القطاع النووى العسكرى فيما يسمى ب"المدن النووية"، وفي بعض المراكز الصناعية الأخرى، والتى يعتمد فيها معظم السكان على هذا النشاط، وهكذا، فإن هذه المدن مخصصة لتصنيع وتطوير الرؤوس النووية، حتى مرحلة تصميم النماذج الأصلية، وهناك مدن مخصصة لإنتاج البلوتونيوم، ومدن مخصصة لتركيب الرؤوس النووية.
وكان في هذه المناطق، التى تقع بها هذه المراكز حتى عام 2000، سكان يقدر عددهم بنحو 700ألف شخص، يعتمد وجودهم بشكل مباشر، أو غير مباشر، علي القطاع النووى ومستلزماته. ويقدر أن هناك 300ألف شخص يعملون في القطاع النووى العسكرى. ولقياس مدى أهمية القطاع وتغلغله في المجتمع، يجب أن يضاف لهذا الرقم عدد العاملين في مراكز البحوث والتطوير في المنشآت الواقعة خارج نطاق هذه المدن، وكذلك العاملون في صناعة الصواريخ وفي الوقت النووية بالجيش. وقد بلغ عدد العاملين في القوات النووية الاستراتيجية في عام 1991 حوالى 376ألف عامل. وطبقا لمصادر أخرى، فإن الرقم الإجمالى للأشخاص الذين يمارسون أعمالا مرتبطة بهذا القطاع يصل إلى 900ألف شخص، منهم المدنيون والعسكريون في مجالات البحث والتصميم وتطوير النماذج الأصلية والإنتاج الصناعى للمكونات والتركيب والصيانة والرقابة العسكرية. وهناك ألفا شخص كانوا على دراية تفصيلية بعملية تطوير السلاح النووى.
ومنذ عام 1992 وهذه المدن تعانى من تدهور في السكان والاقتصاد بصورة مستمرة. وهذا الوضع قد شجع على هجرة العقول لبلدان أخرى، والاستعداد لتجارة غير مشروعة للمواد والتكنولوجيا النووية. فلقد أوجد التدهور الصناعى، الناجم عن انكماش السوق الداخلية، مبررا للبحث عن تطبيقات أخرى وعملاء جدد.
التعاون مع الغرب
اختارت روسيا التعاون مع الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية في نظام ثلاثى الأطراف، كخطوة سابقة على محاولة تعبئة المجتمع الدولى للحصول على التمويل. وكانت مجموعة الدول الثمانى الصناعية الكبرى من بين المشجعين لمبادرة التعاون الدولى في هذا المجال، خاصة منذ قمة موسكو في عام 1996. وفى إطار التعاون مع البلدان الغربية يجب ذكر عدد من المشروعات الجارى تنفيذها خلال لسنوات الأخيرة.
ويبرز التعاون مع الولايات المتحدة من خلال المبادرات التالية:
- برنامج "نان - لوجار"، الذى سمي "التخفيض التعاونى للتهديد" في عام 1991.
- برنامج "الشركة الصناعية" في عام 1994.
- الاتفاق مع الولايات المتحدة بشأن البلوتونيوم في عام 1993.
- اتفاق عام 1998 بشأن إعادة التدريب المهنى في القطاع النووى (مبادرة المدن النووية).
- اتفاق تمويل الاستخدام المدنى لليوارنيوم المخصب بدرجة عالية في عام 1999.
- الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا حول التخلص من البلوتونيوم العسكرى في عام 2000.
وقد وضعت وزارة الطاقة بالولايات المتحدة في عام 1994 برنامج الشراكة الصناعية الذى يستهدف منح الهجرة غير الخاضعة للسيطرة للخبراء الروس بالقطاع النووى العسكرى. ومن خلال برنامج للتعاون يستهدف تقليص التهديد الناجم نتيجة لمبادرة أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، حصلت روسيا من الولايات المتحدة في عام 1991 على مليار و 700 مليون دولار في شكل مساعدات لتعزيز الأمن في المنشآت النووية العسكرية والمواد القابلة للانشطار. وعلى الصعيد النظرى، فإن الموارد التى تنشأ عن بيع هذه المواد يجب أن يتم استخدامها لتحديث نظام الأمن في المحطات النووية. وعلى الصعيد العملى، فإن هناك جهودا قد بذلت للحفاظ على القدرة النووية للبلاد.
وفي عام 1998 تم الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا على مبادئ إدارة واستخدام فائض البلوتونيوم العسكرى. وقد أدى هذا إلى التوقيع على اتفاق آخر في الأول من شهر سبتمبر عام 2000 تحدد فيه كمية تعادل 25% من البلوتونيوم العسكرى المخزون في روسيا.
وقامت الولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاقات مماثلة مستوحاة من برنامج "نان - لوجار" مع جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق: بيلو روسيا (1992) وقازاقستان (1993) وأوكرانيا (1993). وقام كل من الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة واليابان بدعم "المركز الدولى للعلوم والتكنولوجيا"، الذى تم إنشاؤه في موسكو عام 1992، الذى مول بين أعوام 1994 و 1998 عدد 540 مشروعاً بمشاركة (21300) خبير روسى بالمجمع العسكرى - الصناعي للاتحاد السوفيتى السابق. وكان هدف هذا المركز هو تقديم إمكانية المشاركة في مشروعات دولية، ذات طابع تجارى للعلماء والمهندسين المتخصصين في تطوير أسلحة الدمار الشامل، أو صواريخ الاتحاد السوفيتي السابق. والفكرة من وراء إنشاء هذا المركز كان لها منظور معين، وكانت نتائجها إيجابية. ومع ذلك، فقد ظل حجم نشاطها وتمويلها الخارجي غير كاف.
وطبقا للبيانات التى أعلنها "المركز الدولى للعلوم والتكنولوجيا" في عام 1998، فإنه من بين 21300 مشارك في المشروعات حصل 17100 منهم فقط على أجور مقابل أعمالهم. وتم التعاقد مع 12ألفا لأقل من مائة يوم للشخص الواحد. وعرض المركز رواتب تتراوح بين 300 و 400 دولار شهريا، إلا أن هذا المبلغ تم تخفيضه بسبب المستوى الراهن للأسعار في روسيا. فبالنسبة لعالم لديه الخبرة، وله صيت معروف، فإن ذلك يمثل إهانة له، مع القطاعات الأخرى لسوق العمل في البلاد.
والمجهود الذى بذله المركز الدولى للعلوم والتكنولوجيا، على الرغم من أن له مردودا إيجابيا، فانه غير كاف للقضاء على المشكلة الاجتماعية والاقتصادية للخبراء المتخصصين، العاملين في المجمع الصناعى العسكرى للاتحاد السوفيتي السابق، ولإيقاف هجرة العقول ومنع تعاقدهم مع بلدان أخرى، خوفا من مخاطر الانتشار النووى برواتب أكثر جاذبية لهم.
أما الاتحاد الأوربي فقد مول ب 721 مليون أورو 650 مشروعاً تتعلق بالأمن النووى المدنى في الاتحاد السوفيتي السابق في الفترة بين 1991 و 1999. وعلاوة على ذلك، فإن مجلس الشئون العامة بالاتحاد الأوربي اتخذ قراراً في 25 يونيو عام 2001 لتنفيذ التعاقد المشترك في المفوضية الأوروبية، بهدف المساهمة في برنامج التعاون مع الاتحاد الأوروبى لمنع انتشار الأسلحة النووية. وكان الهدف من ذلك دعم روسيا للتخلص من البنية الأساسية لأسلحة الدمار الشامل وللرقابة على التسلح، بما في ذلك التخلص من وقف إنتاج البلوتونيوم في الاستخدام العسكرى.
روسيا الجديدة
إن انضمام روسيا للدول الديمقراطية المتقدمة يعد فرصة تاريخية لا يمكن للغرب إهدارها. إنها عملية تبرر المساعدات التى تقدمها الدول الغربية لإحراز التقدم في التحديث الاجتماعى - الاقتصادى، وفي نزع السلاح، لأسباب سياسية وأمنية وبيئية، وفي مواجهة المخاطر التى لا تزول بمجرد التوقيع على معاهدات خفض الأسلحة النووية، بل باتخاذ إجراءات فعالة للتخلص من هذه الأسلحة، ومن فائض المواد القابلة للانشطار.
وتقوم روسيا في الوقت الحالى بالتكيف مع السيناريو الجيوبوليتيكى الجديد، بحيث يكون لها مكان بارز، وتحمل مسئوليات قوة عظمى. ويجب النظر للترسانة النووية للاتحاد السوفيتى السابق على أنها وضع شاذ، ينتمى لحقبة تاريخية انتهت وولت.
وكذا، فإن المجهودات التى تبذلها روسيا، والمساعدات التى يقدمها الغرب، تتركز على التنمية الاجتماعية- الاقتصادية، وعلى تأسيس مؤسسات سياسية جديدة، مع احترام المصالح الأمنية المشروعة.
ويدعم الاتفاق، الذى تم التوصل إليه في الآونة الأخيرة للحد من السلاح النووى، قواعد منطق جديد ينبغى أن يستمر لأبعد من 2012، حيث يقدم بدائل جديرة بالاهتمام للتعاون في مجال الأمن، مع تذكير الولايات المتحدة واليابان وأوروبا بأن تفكيك البنية الأساسية النووية للاتحاد السوفيتى السابق لا يزال في بدايته، ويمكن أن ينتهى بتحقيق الغرض المنشود منه من خلال العمل الجماعى. ولكنه يستحضر أيضا المسئولية الملقاة على كاهل القوى، التى شاركت في سباق التسلح، وقت توزيع الأعباء الرئيسية لهذه العملية.
المراجع:
مجلة "بوليتيكا اكستريور" الأسبانية.
- www.defensenews. com
- www. mokatel. com